الخطيب الشربيني

325

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فإن قيل : قد يوجد في أفراد هذا النوع من كل مشوه الخلقة سمج الصورة . أجيب : بأنه لا سماجة لأن الحسن في المعاني ، وهو على طبقات ومراتب ، فانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقه لا يمنع حسنه ، فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حدّه ، فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه . ولذا قال الحكماء : شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان ، فقدرة الله سبحانه وتعالى لا تتناهى . قال البقاعي : فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الغزالي إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ، فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه لا يقدر أن يخلق أحسن من هذا العالم ، وهذا لا يقوله أحد ، ا . ه . وهو لا ينقص مقدار الغزالي فإن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه كما قال الإمام مالك ، وعزاه الغزالي نفسه إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال الشافعي : صنفت هذه الكتب وما ألوت فيها جهدا وإني لا علم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] ولما كان التقدير فكان منه سبحانه المبدأ عطف عليه قوله تعالى : وَإِلَيْهِ وحده الْمَصِيرُ أي : المرجع بعد البعث فيجازى كلا بعمله . يَعْلَمُ أي : علمه حاصل في الماضي والحال والمآل ما أي : كل شئ فِي السَّماواتِ أي : كلها وَالْأَرْضِ كذلك وَيَعْلَمُ أي : على سبيل الاستمرار ما تُسِرُّونَ أي : تخفون وَما تُعْلِنُونَ أي : تظهرون من الكليات والجزئيات وَاللَّهُ أي : الذي له الإحاطة التامة عَلِيمٌ أي : بالغ العلم بِذاتِ أي : صاحبة الصُّدُورِ من الأسرار والخواطر التي لم تبرز في الخارج سواء كان صاحب الصدر قد علمها أم لا ، وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت فيه بين علم الخفي وعلم الجلي نبه بعلمه ما في السماوات والأرض ، ثم يعلم ما يسره العباد ويعلنونه ، ثم بعلمه ذوات الصدور إن شيئا من الجزئيات والكليات غير خاف عليه ، ولا عازب عنه ، ولا يجترىء على شيء مما يخالف رضاه ، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد ، وكل ما ذكره بعد قوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ كما ترى في معنى الوعيد على الكفر ، وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته . أَ لَمْ يَأْتِكُمْ أيها الناس ولا سيما الكفار نَبَأُ أي : خبر الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ كقوم نوح وهود وصالح فَذاقُوا أي : باشروا مباشرة الذائق وَبالَ أَمْرِهِمْ أي : ضرر كفرهم في الدنيا ، وأصله الثقل ، ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة ، والوابل : المطر الثقيل القطر وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي : مؤلم في البرزخ ثم يوم القيامة التي هي موضع الفصل الأعظم . ذلِكَ أي : الأمر العظيم من الوبال الدال قطعا على أن الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق بِأَنَّهُ أي : بسبب أن الشان العظيم البالغ في الفظاعة كانَتْ تَأْتِيهِمْ على عادة مستمرة رُسُلُهُمْ أي : رسل الله الذين أرسلهم إليهم بِالْبَيِّناتِ أي : الحجج الظاهرات على الإيمان فَقالُوا أي : الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبرا ، وقولهم : أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا يجوز أن يرتفع بشر على الفاعلية ويكون من الاشتغال ، وهو الأرجح لأن الأداة تطلب الفعل ، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبر ، وجمع الضمير في يهدوننا ؛ إذ البشر اسم جنس ، وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسما للجنس ، وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد كقوله تعالى : ما هذا بَشَراً [ يوسف : 31 ] فأنكروا على الملك الأعظم إرساله لهم فَكَفَرُوا أي : بهذا القول ؛ إذ قالوه استصغارا ولم